الإنكار في مسائل الخلاف …

** يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في كتابه بيان الدليل على بطلان التحليل (صـ 210 ) :
وقولهم ” مسائل الخلاف لا إنكار فيها ” ليس بصحيح ، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل ، أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً ، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء ، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار .
أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً .
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك فيها الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها .

** يقول ابن القيم – رحمه الله – في إعلام الموقعين ( 3/ 300 ) :
وقولهم ” إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ” ليس بصحيح ، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء ؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مَسَاغ لم تنكر على مَنْ عمل بها مجتهداً أو مقلداً .

** يقول الشوكاني – رحمه الله – في السيل الجرّار ( 4/588 ) :
هذه المقالة ” لا إنكار في مسائل الخلاف ” قد صارت أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما بالمثابة التي عرَّفناك والمنـزلة التي بيَّناها لك ، وقد وجب بإيجاب الله – عز وجل – وبإيجاب رسوله – صلى الله عليه وسلم – على هذه الأمة الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع .. والنهي عما هو منكر من منكراته ، ومعيار ذلك الكتاب والسنة ، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً ، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك ، فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً ثم على العامل به ثانياً ، وهذه الشريعة الشريفة التي أُمِرْنا بالأمر بمعروفها والنهي عن منكرها هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة .

أ.هـ

من أجمل ما قرأت 1

يقول سيد – رحمه الله – في الظلال ( 2 / 136 ) :

فنزلت الآيتان في المائدة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)“، وانتهى المسلمون كافة، وأريقت زقاق الخمر وكسرت دنانها في كل مكان؛ بمجرد سماع الأمر، ومج الذين كان في أفواههم جرعات من الخمر؛ ما في أفواههم حين سمعوا ولم يبلعوها وهي في أفواههم؛ وهم شاربون.

لقد انتصر القرآن .. وأفلح المنهج .. وفرض سلطانه دون أن يستخدم السلطان!

ولكن كيف كان هذا؟ كيف تمت هذه المعجزة التي لا نظير لها في تاريخ البشر؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية؛ في أي مكان ولا في أي زمان؟ لقد تمت المعجزة .. لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله -سبحانه- فيها حضوراً لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان، أخذها جملة لا تفاريق، وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة!

لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغاً تملؤه بنشوة الخمر وخيالات السكر؛ وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء .. في الهواء ، ملأ فراغها باهتمامات .. منها: نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها من تيه الجاهلية الأجرد وهجيرها المتلظي وظلامها الدامس وعبوديتها المذلة وضيقها الخانق ؛ إلى رياض الإسلام البديعة وظلاله الندية ونوره الوضيء وحريته الكريمة وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة.

وملأ فراغها – وهذا هو الأهم – بالإيمان؛ بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج، فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير؛ وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء، وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها وترفض خمارها وصداعها، وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية.

إنه استنقذ الفطرة من ركام الجاهلية وفتحها بمفتاحها الذي لا تفتح بغيره، وتمشى في حناياها وأوصالها وفي سالكها ودروبها؛ ينشر النور والحياة والنظافة والطهر واليقظة والهمة، والاندفاع للخير الكبير والعمل الكبير والخلافة في الأرض؛ على أصولها التي قررها العليم الخبير وعلى عهد الله وشرطه وعلى هدى ونور.

أ.هـ