يومُ السفر .. والوداع الأخير

عدتُ سريعاً من صلاة الفجر التي تسبق رحلتي بوقت يسير .. كانت صلاة مشهودة حضرها قلبي قبل كياني .. يصعب أن أنساها ، كنتُ أستشعر أنها ربما تكون آخر صلاة في ديار المسلمين .. وإنسان تشاؤمي – مثلي – يُعد قائمة من المصائب والمشكلات يتخيل عندما يراها مجتمعة أنه لن يعود .. أبداً ، بعد السلام بلحظاتٍ قمتُ .. قام أبي من بعدي لقيامي .. تبعه إخوتي ، دخلتُ البيتَ بسرعة لألبس لباساً ما اعتدتُ أن ألبسه .. قميص وبنطلون وجاكيت .. كانت زوجتي بانتظاري مرتدية عباءتها تقف مع أختيّ وأمي ، إخوتي لم يُمهلوني وأخذوا حقائبي وأودعوها سيارة أخي يوسف الذي سيُقلني إلى حيث ستُقلع بي طائرة !

أنهيتُ استعداداتي ثم استقبلتهم في مشهد أستحضره وأنا أكتب الآن ، منظر الوداع ذاك لا أنساه .. كنتُ فيه أتجلّد وأنا أضعف من أن أمسك دمعة ، نظرات أحبتي من حولي ترقب تنهداتي العميقة والتي أتحايل بها على عبراتي .. لقد كانت نظرات أعينهم تخنقني وأنا أتصبّر ، كلهم بلا استثناء أرى في وجهة ملمحَ حزنٍ .. وددت لو أن نفسي تسلخُ ولا أرى أحبة القلب في موضع حزَن .

الجميع كان حاضراً عداها .. جدتي .. أمي الكبرى .. أم صالح ، كانت تكره – كما تقول – لحظات الوداع والفراق ، ولذا فقد سلمت علي وعلى زوجتي مساء البارحة حتى لا تشهد مشهد الفجر ، ويا لتلك اللحظات التي ندمت عليها سلفاً .. آه لو علمتُ أن تلك اللحظات التي قبلت فيها رأسها ويدها عندما قامت لتنام كانت آخر لحظات نلتقي فيها بأجسادنا .. واللهِ لو علمتُ لكانت شيئاً آخر .. لما تركتها تمضي هكذا ، كنت سأعانقها بقوة وأمسح خوف فراقي بمسحة يدها الشفوقة التي طالما أمسكت بها رأسي من الخلف لتقبلني صغيراً وكبيراً .. كنت سأتحلل منها وأذرف دموع الطفولة على كتفها الذي طالما حملتني عليه وهي تلاعبني كأكبر أبناء ابنها البكر .. كنت سأغمض عيني وأسترجع شريط ذكرياتي وحياتي الذي عاصرته هي كله في بيتنا ، لقد ماتت رحمها الله قبل أن أراها صحيحة سليمة ، أدركتها مريضة – بعد عودتي – في غيبوبة لم تعرفني حينها ، كانت تنادي على اسمي أحياناً وهي في غرفة العناية المركزة .. كنت أجيبها فتضحك فديت ضحكتها بحياتي لو قدرت – عندما أعرفها بنفسي ، أواااه … والله لو يعلم المفارق من يترك وراءه وماذا سيحل فيهم بعده لربما فعل غير ما فعل ، لكنها أقدار الله .. نرضى بها ونسلّم .. فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط !
متابعة القراءة

من هنا وهناك 2

أروع ما يمكن أن تتلقاه كـ[ هدية ] …
هو [ اللامتوقع ] حتى وإن كان يسيراً !

وأقوى مايمكن أن تتلقاه كـ [ مساندة ] …
هو [ تذكر الآخرين ] لك دونما تنبيه منك !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يمكن أن تتأثر نفسي لأن شخصاً ما يكرهني ،
فأنا بشر ؛
هناك من يحبني وهناك من يكرهني !

وأيضاً لا يمكن تتقهقر شخصيتي لأن شخصاً ما هاجمني ،
فأنا إنسان ؛
هناك ما هو جميل فيّ وما هو قبيح !

لكن لا أستطيع أن أقف على قدميّ ولو لحظة ،
أو أكظم غيظي لثواني معدودة ،
أو أخفي حزني الذي سيعتريني ويهزني …
إذا ما هاجم ذلك الشخص نفسه مبادئي التي أنا أؤمن بها !!!

متابعة القراءة

يوم أول في المحكمة !

اليوم .. واليومُ له ما بعده .. أُذن لقلمي أن يكتب ، ولم يطق فؤادي أن يكتم ما يجده وما تُمليه عليه خواطري وبنات أفكاري التي تولد كل يوم وتموت وأداً بيد أبيها الذي لا يجد ما يسقي نبتتها به فيستعجل موتها .. وينسى .. حتى ضاق القلب بقبور موؤوداته ، كم تراقصت حروف العربية في خيالي وأنا أنظر من نافذة الباص الذي يُقلني كل صباح إلى حيث أدرس ، وكم دمعت العين حتى لَيُواري الدامع وجهه في مكتبته وقاعته ومصلاّه وبيته عمّن حوله حينما يرى مصحفاً أو يسمع آية أو يذكر أباً مبتسماً أو يرى بقلبه من وراء البحار أماً اشتاقت لفلذة كبدها الذي غذته وربّته 25 عاماً .. ثم هاهو يطير من بين يديها إلى البعيد حيث لا تراه ولا تشمّه !

كنتُ اليوم – مع بقية الزملاء – في زيارة دراسية لمحكمة مقاطعة SURREY في مدينة Guildford ، دخلنا كمجموعة في القاعة الثالثة للمحكمة الجزئية وجلسنا ننتظر القاضي – أو القاضية لأكون دقيقاً ! – على الكراسي المخصصة للحضور والاستماع ، كان الانتظار مملاً قليلاً .. إذ علينا أن ننتظر حتى (يحكم كيف) القاضية وتأتي لتبدأ جلساتها ، وكعادة زملائي معي .. إلتفتوا إلى الشخص المثير ذي الأفكار الغريبة بينهم وشرعوا في فتح ملف تحقيق مع أخيكم ليعيشوا جو المحاكم والتحقيقات ، كانت القضية الأولى التي ستنظر فيها القاضية قضية مرفوعة على رجلٍ من زوجتيه (!) كونهما لم يعلما بزواجه من كلتيهما ، والقانون البريطاني يمنع – ولو رضيت الأزواج – تسجيل الزواج من امرأتين في المحكمة ..
متابعة القراءة