لا يسعك – كإنسان سوي – أن تتبنى فكرة ثم تدعي الحياد تجاه الفكرة المضادة لتكون دبلوماسياً ، لأنك تُظهر نفسك .. أوفكرتك التي تتمثلها .. على أنها قاصرة ، أزعم أنه لا سياسة ولا حياد في صراع الأفكار ذات العمق والجذور!

من هبوب الحريّة …

في أواخر سنيِّ هذه الأمة العظيمة عانى الناس ذل الاستعباد وقاسَوا حُرقة الضيم كما لم تتجرعه الأمة من قبل ، والمتأمل يجد أن سرَّ الجمود الذي يغلُّ قُدرات الأمة ويسلسل حركتها عن أن تنهض وتنتفض مختلفٌ في زماننا عمَّا كان في أزمنة ماضية ، فأمتنا وإن كانت يوماً ما تحت حُكم أئمةِ ظلمٍ وجور يريدون الدنيا لأنفسهم ؛ فإنها اليوم تُحكم بالحديد والنار لأئمةِ ظلمٍ وجور اغتصبوا سُلطتها لا لتكون لهم .. ولكن لتكون أسيرة لعدوها ، فتكالب عليها أعداء من داخلها لتكون كسيرة لأعداء من خارجها ، حاربوا جميعاً تقدمها العلمي والحضاري لتكون طيِّعة لينة تُعصر وتُستلب خيراتها متى ما أرادوها ، ثم أجهزوا على دينها الذي علموا عبر مطالعة تاريخها كيف هو يُحرر أغلالها وينفضها نفضاً ويهُزها ويُحيي مواتها متى ما وقع نداه على قلوب رجالها ونساءها.

ثم إن بعضاً من مخلصي الأمة تململوا من هذا الحِمل الرابض على صدرها ، أضناهم الكبتُ وعَلَّمت على مفاصل أيديهم قيود الحديد ،  فانطلقوا متحمسين يبحثون عن الحريَّة حتى في غير مظانِّها .. في تراث عدوّهم الذي تجرَّد من كل إنسانيته طول تاريخه وهو يقتل أبناء الأمة ولا يستحيي ولا يبقي نساءها ولا شيوخها ولا أطفالها ، أبهرتهم بهرجة التحرر الذي يتشدق به من لم يعرف الله الواحد الأحد رباً ولا الرسول الأكرم نبياً .. من لم تتذوق نفسه حلاوة الإيمان يوماً وطعم العبودية لله والثورة على من سواه .. من لم تتنور دنياه بتشريعات سماويِّة راقية يقول الله العظيم أنه أكملها هو بذاته الكاملة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) سورة المائدة آية 3. متابعة القراءة

أقصر طريق إلى الغاية الخطّ المستقيم ، لا يوجد إن كان ثمة طريق مستقيم .. طريق مختصرة ؛ فكل ميلٍ .. و كل انعطافٍ .. أو حتى طريق فرعي .. هو في نهاية الأمر زيادة للمسافة بينك وبين الغاية!

ولذا فلا طريق توصلنا سريعاً إلى الله ؛ سوى الطريق التي دلّنا عليها رسول الله والتي رسمها الله في كتابه أنها الصراط المستقيم (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه .. ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله).

إذا كانت [ لا إله إلا الله ] تأتي لتحاج عن صاحبها ، وقد أثخن الجراح في المسلمين ، ولم يلفظها إلا والسيف مصلت قائم على أم رأسه ، فما هي فاعلة لعبدٍ منزوٍ متكورٍ في زاويةِ غرفةٍ مظلمةٍ في جوف الليل ، يرددها ويكررها بلسانه وبقلبه وقد بلت دموعُه لحيتَه ، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه ؟ يا فرحة المخبتين !

وايم الله .. لَعذابـات الدنيا وأهوالها وهمومها وغمومها وأشواكها ومصائبها ، وكل ما فيها مما يكدر الخاطر ويوجع الفؤاد ، ليتضاءل ويتناهى صِغراً ويمحى لكأنه لم يمر بالإنسان قط .. حين يُقال (ادخلوها بسلامٍ آمنين).

وايم الله .. لَمتع الدنيا ولذاتها وأفراحها وأنسها وبهجتها وشهواتها وسرورها ، وكل ما فيها مما يضحك المهجة ويُفرح القلب ، ليتلاشى تماماً من الشعور لكأنه لم يمر بالإنسان قط .. حين ينادى (اخسؤوا فيها ولا تكلمون).

 

عفوك اللهم !

في دفتر حياتنـا الذي نكتبه كل يوم بتصرفاتنا ؛ هناك صفحات يسعنا فيها أن نمسك القلم ونخربش و نجرّب كل شيء، كل ما علينا أن ننزع الورقة ونرميها إن لم تعجبنا، ولكن يجب علينا تذكر أن ثمّة صفحات لا يمكن أن نمزقها مهما فعلنا، فلا تأخذنّا “الحماسة” و “رغبة التجريب” في أن نخربش على مثلها ..