حكمة شيخ الإسلام ابن تيمية .. والمولد النبوي !

يكثر الحديث في هذه الأيام عن المولد النبوي -صلى الله على رسوله وسلم- ، وينقسم الناس إلى قاسٍ معنّفٍ منفرٍ وإلى مرتكب بدعة .. والمشترك في كليهما برأيي هو الجهل عموماً إما بحقيقة الإسلام وأصله أو بروح الإسلام وواقعيته وسماحته ، ولقد أحببت أن أنقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الباب، يقول -رحمه الله- :

“وللنبي – صلى الله عليه وسلم – خطبٌ وعهودٌ ووقائعُ في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة .. وخطبٌ له متعددة يذكر فيها قواعد الدين .. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعياداً ، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى – عليه السلام – أعياداً أو اليهود ، وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه ، وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى – عليه السلام – وإما محبة للنبي – صلى الله عليه وسلم – وتعظيما له ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي – صلى الله عليه وسلم – عيداً مع اختلاف الناس في مولده ، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف – رضي الله عنهم – أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص ، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان ، فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه ، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلاً ، وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها ؛ كما جاء في الحديث : ( ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم ) ” .

إلى أن قال – رحمه الله – :

” فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد ، ولهذا قيل للامام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك ، فقال : دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال ، مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط ، وليس مقصود أحمد هذا .. وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضا مفسدة كره لأجلها ، فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا الفساد الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور ككتب الأسماء أوالأشعار أو حكمة فارس والروم ، فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم أهمها عند المزاحمة فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل ” .

انظر كتاب اقتضاء الصراط المستقيم صـ 254

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *