من هبوب الحريّة …

في أواخر سنيِّ هذه الأمة العظيمة عانى الناس ذل الاستعباد وقاسَوا حُرقة الضيم كما لم تتجرعه الأمة من قبل ، والمتأمل يجد أن سرَّ الجمود الذي يغلُّ قُدرات الأمة ويسلسل حركتها عن أن تنهض وتنتفض مختلفٌ في زماننا عمَّا كان في أزمنة ماضية ، فأمتنا وإن كانت يوماً ما تحت حُكم أئمةِ ظلمٍ وجور يريدون الدنيا لأنفسهم ؛ فإنها اليوم تُحكم بالحديد والنار لأئمةِ ظلمٍ وجور اغتصبوا سُلطتها لا لتكون لهم .. ولكن لتكون أسيرة لعدوها ، فتكالب عليها أعداء من داخلها لتكون كسيرة لأعداء من خارجها ، حاربوا جميعاً تقدمها العلمي والحضاري لتكون طيِّعة لينة تُعصر وتُستلب خيراتها متى ما أرادوها ، ثم أجهزوا على دينها الذي علموا عبر مطالعة تاريخها كيف هو يُحرر أغلالها وينفضها نفضاً ويهُزها ويُحيي مواتها متى ما وقع نداه على قلوب رجالها ونساءها.

ثم إن بعضاً من مخلصي الأمة تململوا من هذا الحِمل الرابض على صدرها ، أضناهم الكبتُ وعَلَّمت على مفاصل أيديهم قيود الحديد ،  فانطلقوا متحمسين يبحثون عن الحريَّة حتى في غير مظانِّها .. في تراث عدوّهم الذي تجرَّد من كل إنسانيته طول تاريخه وهو يقتل أبناء الأمة ولا يستحيي ولا يبقي نساءها ولا شيوخها ولا أطفالها ، أبهرتهم بهرجة التحرر الذي يتشدق به من لم يعرف الله الواحد الأحد رباً ولا الرسول الأكرم نبياً .. من لم تتذوق نفسه حلاوة الإيمان يوماً وطعم العبودية لله والثورة على من سواه .. من لم تتنور دنياه بتشريعات سماويِّة راقية يقول الله العظيم أنه أكملها هو بذاته الكاملة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) سورة المائدة آية 3.

لقد نسي أولئك في غمرة بحثهم أن الحرية شيء ينبعث من الإنسان وليست شيئاً يحيط به ، حاولوا إيهامنا أن الحرية شيء نكتسبه .. أو شيء نبحث عنه في الجوار .. شيء نستورده من غربٍ أو حتى من شرق .. وهي ليست كذلك .

يولد الإنسان وفي داخله ضعفٌ وإن تظاهر بكبرياءٍ مزعوم ؛ كبرياء مهما حاول أن يتقمصه إلا أنه أكبر منه وأثقل من أن يحمله ، منذ اللحظة التي أُوجد الإنسان فيها حياً وأُمرت الملائكة بالسجود له لم يتعوَّد أن يملك زمام أمره كله .. لم يكن الإنسان ليسمّي الأشياء كما يريد أن يسمِّيها .. ولكن الله علمه الأسماء ، ولم يكن ليأكل ما يشاء ويترك ما يشاء من الثمار اللذيذة من حوله في جنة الله .. بل حُدد له سلفاً ما يأكل وما لا يأكل ، فلمَّا تمرَّدت نفسه على الإذعان والعبودية حتى في قضمة من ثمرة عوقب عقاباً لم يزل كل بني الإنسان يتلقونه إلى اليوم .. الخروج من الجنة !

لقد خُلق الإنسان من روحٍ غُلت بالعبودية والخضوع للعظمة .. وسِرُّ حُريتها خضوعها لمن يستحق وحده ، إن الإنسان لضعفه لا بد أن يخضع لشيء ما .. لا بد أن يعبد رباً أياً كان .. لا بد أن يبقى أسيراً لهذا الشعور الذي يسكنه ويملؤه بالضعف تجاه إله يعبده ويمجده ، إن روح الإنسان التي بين جنبيه في شقاء دائمٍ تبحث عن ربٍّ تعبده ليهبها الحريَّة التي تسعد بها ، ولذا عبد غير المهتدين آلهة صنعوها بأنفسهم وسجدوا لها .. وأدبر آخرون عنها ودعوا غيرها ، وهم بين هذا وذاك يبحثون عن الحريّة .

لقد ألَّه الملحدون الطبيعة حين قالوا أنها خلقت نفسها يوم هربوا من الإيمان بالغيب الذين لا يلمسونه ولا يحسونه ليرضوا نفوسهم التي تصر على عبادة ما تلمس وما تُحس ، فغرقوا في تيه هذا الملكوت العظيم الذي يعيشون فيه ولم يتلمّسوا إلهه بأيديهم ، لقد خلقوا لهم رباً اسمه الطبيعة .. صاروا لا يبحثون ولا يتحدثون إلا باسم الطبيعة .

وألّهت طوائفُ أخرى الإنسان حين صارت لا تعترف إلا بالإنسانية ، انبهروا بالمخلوق الإنسانِ وعقله ؛ وغفلوا عن خالق الإنسان الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، واتخذوا من الإنسان مقياساً لما يأتي من عند الله ، فلا تؤمن إلا بما يقبله عقله ويستسيغه ، وصار الإنسان وعقله أرباباً عليها يطوفون.

وألَّهت أمم شياطينها الأعيان ، خلقوا لهم قوة باستكانتهم لهم ما كانت لتكون لهم لو أنهم آمنوا بالله وحده ، فصاروا لشياطينهم من الأحبار والرهبان والملوك يستجيبون وبأمرهم يأتمرون ؛ تارة باسم الله .. وتارة باسم دين الله .. وتارة للدفاع عن دين الله .. والله يشهد إنهم جميعاً لكاذبون إذ استعبدوا أنفسهم لهم واتخذوا منهم أرباباً من دون الله .

وأمم أنفت ظاهر العبودية كله واختاروا أن يتحرروا من كل رقٍ وذلٍ ، فقصدوا الحريََّة مجردةً واتخذوها قبلة لهم إليها يسيرون .. ولأجلها رحلوا وتغربوا وألِموا وكافحوا وقاتلوا ، وما تنبهوا إلا وهم لها ساجدون !

أما الحريّة الحقّة .. فهي التي تنبع من الذات ، تلك التي يرتشفها الإنسان ويذوقها حلوةً في روحه ويعيش رعشتها في كل خلايا جسده حين يرمي كل ما بين يديه في هذه الدنيا التي لا يدري متى يفارقها وراء ظهره ويعفر جبهته لإله السماء الأحد الصمد ويُمرغ أنفه في موضع داست عليه قدمه إمعاناً في العبودية للإله الذي يستحق وحده أن يعبد ، تلك هي الحرية تضع عن الإنسان الأغلال .. الأغلال التي يضعها على نفسه بتتبعه ولهثه وراء الحريّة التي يسمع عنها .. أو وراء آلهة أخرى يطلب من وراءها حريته واستقلاليته ، سجدة توحيد واحدة تكسر أعتى الأصفاد .. وتدخله الجنة التي شقي بالخروج منها لـمَّا ضعُف أوَّل مرة .

نحن من يصنع الهالة حول الشيء التافه .. والفكرة التافهة .. والشخص التافه .. ونخلق فيه عظمته التي يعتاش عليها ، ونحن من يأتي بعد ذلك ليعبد “العظيم” الذي صنعناه .. وننبذ ما عرفناه من شريعة الله وراء ظهورنا .. ثم ما إن يتصادم ذلك العظيم الوهمي مع هوىً حادث حتى ننسفه بأيدينا ، إنها سخرية تتكرر من صنم التمر الذي عظَّمه الرجل الجاهلي ، الفرق أن ذلك الجاهلي أفاق من تلك الغشاوة وأكل صنمه ثم عاد لشرعة الله وضحك على نفسه يوماً ، وإني لأتساءل بصدق .. متى سنضحك على عبثنا ونأكل أصنامنا ؟!

[1]) سورة المائدة ، آية : 3

من أنا؟

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

أضف تعليقاً