حول فلسفة “الشخصية المعنوية”

تحدث د. عبدالقادر باينة عن فلسفة الشخصية المعنوية -أو الاعتبارية- في كتابه المتميز مدخل لدراسة القانون الإداري والعلوم الإدارية – الطبعة الثالثة في الصفحات 221-232 :

‏(دور القانون في مجملة على تنظيم الحق وتحديد مدلوله وتبيان موضوعه وربطه بالالتزامات المتولدة عنه ، وهذا الحق بحد ذاته ليس مجردا أو خيالياً ، بل هو حقيقة ترتبط بحقيقة أخرى هي الشخص ، والشخص موضوع هذا الحق ارتبط بالانسان الطبيعي الآدمي ، خاصة في لغة الفلسفة والأخلاق اللذينِ يعتبران الشخص الطبيعي هو مصدر الارادة والتمتع بالحرية والتعبير عن الذات ، وأنه هو موضوع المعاني السامية الأخلاقية الداعية إلى حسن السلوك وتنظيم العلاقات وتطوير المعاملات بين الآدميين ، وبذ لك كان المفهوم الفلسفي والأخلاقي للشخص لايتصور غير الشخص الطبيعي : الإنسان .

أما اللغة القانونية ؛ فبالإضافة إلى هذا الشخص الطبيعي الذي رتبت له حقوقاً وفرضت عليه التزامات ، هناك شخص معنوي اعتباري ، اعتبره القانون أن يكون كذلك ، ورتب له هو الآخر حقوقاً وألزمه بالتزامات ، الشيء الذي جعل منه ظاهرة قانونية ساهمت بفعالية في تطوير المعاملات الإنسانية ، سواء في علاقات الخواص في نطاق القانون الخاص ، أو في علاقات الدولة في نطاق القانون العام ، حيث وجد الشخص المعنوي أو الاعتباري على السواء كشخص معنوي خاص أو كشخص معنوي عام .

‏ويأتي أصل التسمية والصفة التي أعطيت للشخص المعنوي أو الاعتباري، بأنه إن لم يكن كالشخص الطبيعي لحماً ودماً ، فإن المشرع قد اعتبره شخصاً على أساس أنه جعله مشتركاً مع الشخص الطبيعي في كثير من الخصاثص ، ورتب عن وجوده كثيراً من النتائج المترتبة عن هذا الشخص ، مع اعتبار إضافي لخصوصيات الشخص الطبيعي ، وبهذا يمكن أن نقول ، إن لم يكن الشخص الاعتباري أو المعنوي صورة مطابقة مئة في المئة للشخص الطبيعي الآدمي ، فهو من حيث المعنى قريب من الصفات القانونية الملزمة للشخص الطبيعي ، وذلك لأن المشرع اعتبر ترتيب تلك الصفات عليه من إحدى الضرورات لحسن تنظيم المعاملات وحسن تدبير أمور المجتمع بما في ذلك سير الدولة وتنظيمها الإداري .

‏وتبعاً لاعتبارات المُشرع ، فالشخص المعنوي أو الاعتباري هو : “مجموعة من الأ شخاص أو مجموعة من الأموال منحها المشرع الشخصية القانونية التي تؤهلها لاكتساب الحقوق وتفرض عليها بعض الالتزامات” ، وعلى هذا الأساس فالشخص المعنوي لا يقتصر فقط على مجموعة من الأ شخاص الطبيعيين المجتمعين لتحقيق هدف أو غرض معين ، بل أن يكون أيضاً مجموعة من الأ موال رصدت لتحقيق غرض معين ، المهم لابد من تجميع أشخاص طبيعيين أو أموال يضفي عليها القانون صفة الشحص المعنوي أو الاعتباري .

‏وان تدخل المشرع هذا ، يعطي للشخص المعنوي أهمية داخل المؤسسات القانونية ، حيث عن طريقة نجد حلاً لكثير من الإشكاليات وتنفيذاً لكثير من الأنشطة سواء في القانون الخاص أو في القانون العام أساس موضوع دراستنا)

‏إلى أن قال :
([و]لقد أثارت الشخصية المعنوية نقاشاً حاداً بين الفقهاء [القانونيين] وحاول كل فريق أن يدافع عن الاتجاه الذي يتبناه ، الشيء الذي فرض وجود إشكالية الشخصية المعنوية نتيجة تعدد الاتجاهات الخاصة بالشخصية المعنوية ، لكن تتفق أغلبية الفقهاء حالياً على الحقيقة القانونية للشخص المعنوي) .

ويضيف :
(لقد تمخض النقاش الفقهي [القانوني] حول الشخصية المعنوية إلى وجود ثلاثة ‏اتجاهات :
‏1) نظرية الشخصية الافتراضية .
2) إنكار الشخصية المعنوية .
3‏) الشخصية الحقيقية .

‏الاتجاه الأول : نظرية الشخصية الافتراضية
‏يؤكد أصحاب نظرية الشخصية الافتراضية للدفاع عن اتجاههم هذا على أن الحقوق هي سلطة إرادية ، وأن الإرادة لا تكون إلا للإنسان ، وبالتالي لا يمكن أن تكون الشخصية إلا للإنسان ، واذا ما أعطى القانون هذه الشخصية لغيرالانسان فلن يكون ذلك إلا على سبيل الافتراض وليس على أساس الحقيقة ، وهم بذلك يعترفون بوجود حقوق والتزامات يمكن أن يكون موضوعها شخص غير الشخص الطبيعي .. وهو المعروف بالشخص المعنوي أو الاعتباري ، وأشهر من قال بهذه النظرية هو الفقيه سافيني (‏فقيه ألماني من فقهاء القرن التاسع عشر) .

‏ولقد سادت هذه النظرية في فرنسا لمدة طويلة ، وهي مرفوضة اليوم من قبل الفقهاء [القانونيين] ، ونذكر على سبيل المثال موقف الأستاذ فالين منها ، إذ يعتبر أن النتيجة العملية لها هو “الاعتراف بسلطة مطلقة للمشرع ، بمثابة حق حياة و موت (قانوني) على الأشخاص المعنوية” ، وذلك نظراً لاعتبارها أنها مجرد افتراض ، لذلك فلن يكون للمشرع حدود معينة يهتدى بها لتحديد حقوق والتزامات الشخص المعنوي ، وفي نفس الوقت أكد فالين على أن مسألة حقيقة أو افتراض الشخص المعنوي مسألة مغلوطة .

‏الاتجاه الثاني : إنكار الشخصية المعنوية
‏يرفض هذا الاتجاه فكرة الشخصية المعنوية بما فيها الشخصية الافتراضية ، وفي هذا الاتجاه نجد الفقيه [القانوني] ديجي والفقيه [القانوني] جيز صاحب المقولة الشهيرة في الموضوع : “لم يسبق لي أبداً أن تناولت الغذاء مع شخص معنوي” .

ولقد افترق الاتجاه الذي ينكر وجود الشخصية المعنوية فريقان :
1) فريق يأخذ بنظرية التخصيص أو ذمة الغرض :
‏على أساس أن يأخذ بالاعتبار عدم وجود شخص معنوي ، بل الغرض وجود جماعة من الاشخاص أو تخصيص مجموعة من الأموال ، ولا يرتبط هذا الغرض أو تلك التخصيصات بشخص طبيعي واحد ، بل بذمة مستقلة تترتب عنها حقوق والتزامات تجمع بين عناصر ها المتنوعة ووحدة الغرض التي خصصت لها .

2) فريق يأخذ بنظرية الملكية المشتركة :
‏يؤكد هذا الفريق على أن وجود ملكية مشتركة أو جماعية لا تخضع لنظم الملكية الفردية المرتبطة بالشخص الطبيعي هي التي يمكن الاعتداد بما عوضَ الشخصية المعنوية ، وذلك لأ نه يمكن للفرد في الملكية المشتركة أو الجماعية بمفرده أن يتصرف في المال المشترك لمصلحته وحده فقط ، بل لا يمكنه أن يتصرف فيه إلا باتفاق مع الأ شخاص الآخرين المشتركين معه فيه وبالتا لي فمجموع الأفراد هم الذين يملكون هذا المال ويتصرفون فيه .
‏وأولى من نادى بهذا الاتجاه الأول هو الفقيه الأ لماني اهرنج ، ‏وقال بها في فرنسا الفقيه بلانيول من فقهاء القانون المدني والفقيه برتلمي ‏من فقهاء القانون الإداري .

‏الاتجاه الثالث : الشخصية الحقيقية
‏يؤكد هذا الاتجاه على وجود حقيقي للشخص المعنوي ، ويتبنى الفقه [القانوني] الحديث هذا الاتجاه ، ولكن مع ذلك يقتسم في تبنيه للشخصية الحقيقية إلى ثلاثة مذاهب :

المذهب الأول : مقارنة الشخصية المعنوية بالشخصية الطبيعية للانسان
‏يحاول هذا المذهب أن يبرز مظاهر متعددة تُقارب بين الشخص المعنوي والشخص الطبيعي ، ويعرف هذا المذهب نفسه نظريتين :

أ) النظرية العضوية : تعتبر الشخص الاعتباري أو المعنوي شأنه شأن الشخص الطبيعي ، فإذا كان الإنسان يتكرن من مجموع خلايا عضوية فخلايا الشخص المعنوي هي مجموعة الأفراد الذين يكونونه .

‏ب) نظرية الإرادة : تنطلق من اعتبار أن الحق سلطة إرادية ويعبر الشخص المعنوي عن هذه الإرادة عن طريق ممثليه الذين يعبرون بدورهم عن إرادة جميع الأفراد المنضويين تحت لواء هذا الشخص المعنوي ، وتكون هذه الإرادة المشتركة متميزة عن مختلف الإرادات الفردية للاشخاص الطبيعيين الذين يكونون الشخص المعنوي او الاعتباري ، ولقد قال بهذه النظرية الفقهاء الألمان جييريك وجيلينك وزيتلمان .
‏ويؤخذ على هذه النظرية أنها ترتكز على اعتبار الحق سلطة إرادية مع أن القدرة الإرادية ليست هي جوهر الحق .

‏المذهب الثاني : نظرية المصلحة
يعتبر أنصار هذا المذهب أن المصلحة المشتركة أو الجماعية متميزة عن المصالح الفردية ء ، وأن المصلحة هي جوهر الحق وأنه تترتب عن وجود المصلحة حقوق ، بالتالي يتدخل المشرع لإقرار هذه المصلحة عن طريق إضفاء الشخصية المعنوية على أصحاب تلك المصلحة .

‏المذهب الثالث : نظرية النظام القانوني
وتعتبر هذه النظرية الشخص المعنوي شخصاً حقيقياً ما في ذلك شك ، ونادى بها الفقيه هوريو مناهضا بذلك الفقيه دوجي وأنصاره الذين أنكروا الشخصية المعنوية إطلاقاً .

‏ويعتمد الفقيه هوريو على هذه النظرية ليس فقط لإثبات طبيعة الشخص الاعتباري بل لتفسير الظواهر الاجتماعية بصفة عامة ، وتؤكد على أن مقومات النظام القانوني تكمن في وجود تنظيم يستهدف غرضاً معيناً ، يستفيد منه أشخاص يتمثلون في مظهر خارجي يعبر عن الأفكار المشتركة بينهم ، ويعتبر هوريو أن الشخصية المعنوية هي ظاهرة اجتماعية حقيقية كغيرها من الظواهر الأخرى ، وأن الشخص الاعتباري هو كائن اجتماعي له حياته القانونية الخاصة ، ومن ثم تكون شخصيته شخصية حقيقية) .

IMAG0011

من أنا؟

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

أضف تعليقاً