رأي في استيراد الأفكار السياسية

المتأمل لمكان الحكم في تاريخ المسلمين سيجد أنه مرتبط بشخصية الحاكم ٬ فإن كان صالحًا كانت الدولة صالحة وإن كان ظالمًا كانت الدولة مثله ، ولذلك حين تتأمل تراثنا السياسي ستجد أنه يدور بشكل أساسي حول الحاكم ﴿صفاته/ صلاحياته/ ما يجب عليه.. ﴾ ولا يتحدث باسهاب عن بناء الكيان السياسي ، وحين نجد حديثًا عن بناء الكيان السياسي نجد نقاطًا دون خطوط تصلها ببعضها ؛ نجد قيمًا ومبادئ دون آليات تطبيق٬ هذه الفراغات يحاول ملأها البعض .

لا بأس في تجريب استخدام الآليات ﴿وإن كنت أشكك في صلاحيتها﴾ ؛ المشكلة أن الآليات المستوردة تأتي “بكج” كامل .. آليات دون فصل عن مبادئها ، وحتى أكون صريحًا .. لدي موقف متردد من استيراد الأفكار ‐حتى لو استطعنا فصل المبدأ عن الآلية‐ ٬ أرى في الإستيراد عائقًا من عوائق نمو الفكر ؛ فالفكرة المعلبة مثل الطعام المعلب فائدتها الأساسية في سد الجوع .. لكنها ليست مفيدة أبدًا للجسم كطعام يحضره الإنسان ويشرف على إنضاجه بنفسه ، كثيرون يرون في الحاجة أساس الإبداع والإنتاج ٬ وبما أن الفكرة المعلبة تقضي على الحاجة فهي بطريقة غير مباشرة توصد باب الإبداع والانتاج .

من ناحية أخرى .. في الفقه الإسلامي المالي ؛ هناك خطوط حمراء قطعية .. كتحريم الربا والغرر وأكل المال بالباطل٬ هذه الممنوعات جعلت استيراد الأفكار المعلبة صعبًا ، ولأن الحاجة ملحة ؛ ازدهر الفقه الإسلامي المالي بشكل منقطع النظير (بغض النظر عن بعض التجاوزات﴾ لأنه انطلق من ذاته .. وصار اليوم يحتوي تنظيماً حديثاً بديعاً ، وفي المقابل فالفقه السياسي الإسلامي مرن جدًا من جهة أنه قائم على مصلحة الأمة الدينية والدنيوية بشكل أساس وليس محاطًا بكثير من الضوابط التي تعيق الاستيراد ، فحدث توسع في موضوع استيراد الأفكار السياسية المعلبة؛ مما نتج عنه ﴿وللأمانة بسبب عوامل جوهرية أخرى أيضًا﴾ تأخر في إبداع أنظمة سياسية ذاتيًا ، كل هذا الجدل الذي حدث ويحدث وسيحدث حول البناء السياسي الحديث ويضيع الوقت .. سيختفي .. لو تم الانطلاق من بناء نظام سياسي ينمو من داخل الأمة ، وقد أشار إلى هذا بشكل غير مباشر البروفيسور وائل حلاق -أستاذ القانون والدراسات الإسلامية بجامعة كولومبيا الأمريكية – في كتابه اللطيف : الدولة المستحيلة ص 72 فقال :

“In sum, the supremacy of the Sharīʿa meant a rule of law that stood superior to its modern ounterpart, the present form of the Western state that has come to be fused, in the majority of instances, with a claim to democratic legitimacy (or popular sovereignty) that “sits very awkwardly with its practical realities.”167 For Muslims today to seek the adoption of the modern state system of separation of powers is to bargain for a deal inferior to the one they secured for themselves over the centuries of their history. The modern deal represents the power and sovereignty of the state, which we have seen—and will continue to see in the following chapters—to be working for its own perpetuation and interests. By contrast, the Sharīʿa did not—because it was not designed to—serve the ruler or any form of political power. It served the people, the masses, the poor, the downtrodden, and the wayfarer without disadvantaging the merchant and others of his ilk.168 In this sense it was not only deeply democratic but humane in ways unrecognizable to the modern state and its law.”

وترجمة ذلك :

“إن سيادة الشريعة تعني سيادة القانون بشكل أرقى من مثيله في الدولة الحديثة الغربية ، ذلك أن الدولة الغربية قد تنصهر في أغلب الأحيان في دعوى الشرعية الديموقراطية (أو السيادة الجماعية) والذي قد يظهر رعونة في التطبيق الواقعي . بالنسبة للمسلمين الذي يطالبون اليوم بتبني نظام الدولة المدنية في فصل السلطات .. هم يعقدون صفقة رديئة مقابل ما هو موجود مسبقا بأيديهم عبر تاريخهم (هم) الممتد لقرون . إن الواقع الحديث يظهر أن سلطة وسيادة الدولة إنما تعمل لأجل استمراريتها هي .. ولتنفيذ مصالحها هي ، وفي المقابل .. الشريعة لا تخدم -وليست مصممة لتخدم- حاكماً أو أي شكل من أشكال القوى السياسية ، هي تخدم الناس .. الجماهير .. الفقراء .. المساكين .. عابري السبيل .. دون أن تفسد مصالح الأغنياء وأمثالهم ، إنها بهذا المنطق ليست فقط ديموقراطية بعمق .. ولكنها إنسانية أيضاً بطريقة غير معترف بها في الدولة الحديثة وقوانينها .”

وعلى أي حال ما أنا متأكد منه ؛ أن الطفل الذي تلده الأم من بطنها بعد طلق ومخاض يكون أقرب إليها من الطفل الذي تتبناه ٬ رغم أن الأخير لم يتسبب في أي أذى لها .

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *