ابن تيمية والكيمياء القديمة

حدث لغط مؤخراً حيال ما ذُكر من أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُحرم الكيمياء الحديثة الموجودة في عصرنا اليوم ، ومن ذلك ما ذكره أحد أساتذتي -الذين يشهد الله على حبي له فيه- في تغريدات له على تويتر : (شيخ الإسلام يحرم جميع أنواع الكيمياء بما فيها الكيماء التي نعرفها اليوم ، وهذا منه رحمه الله خطأ يرد ، ولا يمكن حمل نصوصه على كيمياء السحر فقط) ، (وجعل الشيخ الكيمياء كلها تشبيه بناه على تصور خاطئ أن جنس المخلوقات مثلها مثل الذهب أجسام لا يمكن صناعة الطبيعي منها، وهذا غلط منه رحمه الله) ، (وهي أخطاء متفهمة طبعا في ظل فقر المعطيات العلمية وقتها وفي ظل اختلاط الكيمياء العقلانية بغير العقلانية مما جعل الشيخ يؤصل أصلا يبطلهما معا) ، ولكوني أراه كلاماً مجانباً للصواب فلي مع هذا الموضوع عموماً دون اقتصارٍ على ما في هذه الاقتباسات وقفات :

1. ما كان يُسمى “كيمياء” في عصر ابن تيمية رحمه الله هو ما يطلق عليه اليوم اسم “الخيمياء” ؛ وهو نوع من الممارسات التي أكثرها من الخرافة والدجل .. وفيها كثير من السحر ، سُمي “خيمياء” لأن العرب صدروه لأوربا باسم Alchemy ، ثم أعيد تصديره إلينا بعد تحوير ch إلى خ .

2. لم تكن الكيمياء الحديثة بصورتها النهائية موجودة كما هي لدينا اليوم ، ولذا فإن الحكم المجمل على أن ابن تيمية يُحرم الكيمياء فيه عدم ضبط وقلة تدقيق إذ كيف يُحرم ما لم يكن موجوداً في عصره أصلاً ، غاية ما يؤسس عليه صاحب هذه الدعوى هو الإلزام (أعني البناء على لازم القول) ، ونسبة لازم قول القائل إلى القائل هو من قبيل تقويله ما لم يقله .

3. الفرق الجوهري بين الكيمياء القديمة (أو الخيمياء) والكيمياء الحديثة هو أن القديمة تتبنى فكرة تحويل أصل المادة وخصائصها إلى مادة أخرى ؛ كأن يتم تحويل الفضة إلى ذهب أوالنحاس إلى ذهب وغير ذلك ، بينما الحديثة تتبنى فكرة تغيير خصائص المواد من خلال دمجها مع بعضها لتشكيل مركب ثالث ؛ كأن يتم دمج الأكسجين مع الهيدروجين لإنتاج مركب الماء وهو مختلف عن الاثنين في صفاته .

4. الكيمياء الحديثة تُكذب الكيمياء القديمة من حيث أنها تقول باستحالة تخليق مادة جديدة ، فلا يمكن تحويل الفضة إلى ذهب مثلاً ، والحقيقة أن ابن تيمية رحمه الله أقرب إلى الكيمياء الحديثة من أهل الكيمياء القديمة في عصره حين قرر أن لكل مادة طبيعية خصائص لا يمكن أن تُشبهها فيها مادة أخرى .. ولا يمكن تخليقها أبداً .

5. لم يُحرم ابن تيمية تخليط المعادن وتركيبها على بعضها ولم يقل بتحريم تصنيع المواد الجديدة .. ولم يقل حتى بتحريم صهر المعادن المركبة لفصل المعادن الثمينة على الخسيسة *، إنما كان يُحرم ما كانوا يدعونه من إمكان تخليق المعادن الثمينة ابتداءاً من غيرها .. كأن يتم تحويل الفضة ذهباً إذا أُطيل صهره وأُضيفت عليه مواد أخرى تُصفره ، وعلة ابن تيمية رحمه الله في هذا :

أ. أن في هذا مضاهاة لخلق الله ، ولا يمكن أن يخلق الإنسان عين المادة التي خلقها الله ابتداءاً أو بتحويلها من غيرها ، كالذهب ابتداءاً من العدم .. كما يستحيل خلق ذهب من الفضة  .

ب. أن في ذلك غشاً للناس ، فيأتي الرجل يشتري ما يظنه ذهباً وهو في حقيقته فضة مُصفرة .

7. حين محاكمة ابن تيمية في مصطلح المواد الأصلية ؛ يجب أخذ بالاعتبار ما انتهى إليه علمهم في ذلك الوقت من أن الماء مادة (وليس مركباً) وأن التراب مادة (وليس مجموعة مواد منثورة) وغير ذلك ، فهذا أدعى لفهم مقصودة حين يتحدث عن الفرق بين التخليق والتصنيع .

8. ثمة شيئ اسمه “السيمياء” يندرج تحت الخيمياء (أو الكيمياء القديمة) ، وهو العبث بمظاهر المواد باستخدام السحر والشعوذة ، وهذا النوع لا داعي للاسترسال في إثبات تحريمه .

وأخيراً .. فإني حين أقول هذا فأنا لا أستبعد أن يُخطئ ابن تيمية رحمه الله ولا غيره من علماء الإسلام في هذه المسألة وغيرها من المسائل ، فقد تقاصر العلم في زمانهم عن إدراك هذه المسائل الحديثة .. وتقاصر معه استيعابهم الكافي لها ، لكني لا أجد هذا هنا ، بل حين أستوعب ما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله في رسالته عن الكيمياء ثم أجمعها إلى حديثه عن الأدوية وخلطها وعن محاججاته للمناطقة أجد جزماً أنه يقصد الخيمياء وتخليقها لأصل المواد .. لا الكيمياء الحديثة وتركيباتها وتفاعلاتها .

بقي شيء واحد .. لا يصح ديناً ولا مروءة ولا ذوقاً أن يتم تعيير أو شتم أو الكذب على من اجتهد ممن نحسبه من الصالحين في تشخيص موقف ابن تيمية رحمه الله -أو غيره من أهل العلم- فخطَّئَه ، فكل الناس تُخطئ وتصيب مع الاحتفاظ بأقدارهم ومراعاة كرامتهم ، ومن لا يُفرق بين تخطئة المحب .. وبين تشنيع المخالف .. فأولى به أن يشتغل بإصلاح نفسه وفهمه .

والله أعلم !

________________

* تجد هذا مبسوطاً في عدة مواضع في كتبه :
1. الرد على المنطقيين .
2. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح .
3. رسالة في الكيمياء (موجودة في مجموع الفتاوى المجلد 29)

من أنا؟

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

أضف تعليقاً