تحديات تواجه عمل المرأة المسلمة المعاصرة

أكاد لا أجد من يخالفني أن ديناميكية المجتمعات في معظم بقاع العالم المعاصر تغيرت بشكل ملحوظ -بغض النظر أكان تغيراً إيجابياً أم سلبياً- وتأثرت برياح التنميط الثقافي الأوروأمريكي وعولمة قيمه الهشة التي لم تتصلب بعد؛ وحينما أقول أنها هشة فأنا أعني ذلك حرفياً ولا أتخذ من اللفظ أداة مبالغة، والمجتمعات الإسلامية ليست بمعزل عن العالم وما يجري فيه، فهي متأثرة بشكل أو بآخر -باختلاف ممانعتها- بالتحولات الثقافية، بل هي مستهدفة بهذا التغيير في بعض مفاصله الجوهرية وهو موجه إليه بشكل مكثف.

إحدى تجليات تأثر ديناميكية المجتمعات الإسلامية بذلك هو بروز ثقافة عمل المرأة بالصورة النمطية الحديثة للعمل خارج المنزل، وبعض النظر عن موقف كل مجتمع من عمل المرأة فيه والذي تحكمه عوامل اجتماعية أكثر من كونها عوامل ذات بعد ديني ؛ فإن سوق العمل في المجتمعات المسلمة ما يزال يحاكي بتصميمه الشكلي وفلسفته التقنينية السوق العملي المستورد الذي لا يُميز إلا يسيراً بين الرجل والمرأة في العمل ، ولذا فإن المرأة المسلمة تواجه تحديات في سوق العمل قلما استُعرضت ودرست بشفافية بعيداً عن التشنجات التي تصاحب كل نقاش تكون قضايا المرأة طرفاً فيها ، وباستعراض سريع أجد أن من أبرز التحديات التي تواجه المرأة المسلمة في سوق العمل ما يلي:

تحدي الاختلاط: قد ينظر البعض إلى موضوع الاختلاط أنه موضوع أكل عليه الدهر وشرب واستنزف صراعات وجدلاً واستخدم في أمور كثيرة، ربما … ولا يعنيني هذا هنا، فلست أرغب في نقاش موضوع الاختلاط من ناحية فقهية -وأرجو ألا يُشغب عليَّ أحد هنا حول ذلك-، ولكني أريد تناول الاختلاط من منظور (ما بعد الاختلاط).

المتأمل بعين موضوعية يجد أن اختلاط الرجال بالنساء في مجال العمل ينهك المرأة المسلمة عملياً ونفسياً، أما من الناحية العملية فهو يجعل المرأة ملتزمة طوال عملها بارتداء حجابها وعدم التعطر والتزين المعقول بسبب وجود الرجال حولها، وهذا المنع من التخفف والإبقاء على لبس العباءة والحجاب مُتعب للمرأة عملياً ولا يُشعرها براحة أثناء العمل، مما يضطر كثيراتٍ -للأسف- دون قصدٍ أصلي في لحظة من لحظة الإنهاك إلى التخفف من العباءة حيناً وإرخاء الحجاب حيناً واستخدام العطر أو المكاييج في بعض الأحيان، وهذا مشاهد في الواقع العملي، إن من حق المرأة أن تشعر بالراحة في مكان عملها .. أن تتزين باللبس الرسمي الذي تحب .. أن تضع مكياجاً .. أن تضحك .. أن تعيش جو العمل بأريحية وثقة دون خوف من أنها قد تخالف أمر الله في شيء لم تحسب له حساباً أو تحاذر أعين الرجل (الذي لم يطع الله فيها بغض البصر) والذي أمرت بالتستر عنه.

وأما الناحية النفسية فتتمثل في علاقتها مع أسرتها .. زوجها تحديداً .. الذي لا يرتاح لكون زوجته تعمل في وسط مختلط، فينعكس ذلك سلبياً على علاقة الزوجين ببعضهما، وبعض النظر عن تأثير ذلك على علاقة الإثنين .. فإن شعور المرأة أنها تحت ضغط نفسي حينما تستيقظ كل صباح للقيام بعملها الذي تحب يُعد تحدياً كبيراً بالنسبة للمرأة المسلمة التي تراعي الله في نفسها وزوجها، إن من حق المرأة أن تذهب إلى عملها وهي سعيدة بذلك .. وهي غير قلقة من أن شريكها قد يحمل في نفسه اعتراضاً أو غيرة .. ولا تنتظر في كل مرة نفسية متقدة جراء عملها مع الرجال.

تحدي التنقل: إحدى التحديات التي تواجه المرأة في عملها (وفي حياتها عموماً) تحدي التنقل، ففي غياب وسائل النقل العام؛ إن هي وجدت من يذهب بها لم تجد من يعود بها .. والعكس صحيح، مما يجعل المرأة أمام تحدٍ قد يكون تجاوزه شبه مستحيل إلا بعد دفع أثمان مبالغ فيها، إما أن تكون على صورة مبالغ مالية تدفعها لاستقدام سائقين .. أو على صورة انتهاك لخصوصيتها من خلال استخدامها لتطبيقات الأجرة (أوبر – كريم) وركوبها كل يومٍ مع رجلٍ لا تعرف عنه شيئاً هو سيعرف عنها إما مكان إقامتها أو مكان عملها، والحقيقة أنه يجب الدفع باتجاه توفير وسائل النقل العام ذات التكلفة الميسرة وإعادة النظر في موضوع منع قيادة المرأة للسيارة خصوصاً مع وجود وسائل كثيرة تحقق المفاسد التي لأجلها تبنى من يرى صلاحية منع المرأة من قيادة السيارة رأيه. إن مما أراه ديانةً أن السماح بقيادة المرأة للسيارة اليوم سيكون خطوة صحيحة وسيغلق عدداً من أبواب الشرور التي تحيط بالمرأة المسلمة .. العاملة وغيرها.

تحدي الأنظمة المساندة: إن عدم وجود أنظمة تحمي المرأة المسلمة العاملة يعد أحد التحديات التي تواجهها في بيئة العمل، فعدم وجود أنظمة (مطبقة بحزم) تُلزم صاحب العمل بتوفير مكان ملائم للمرأة وأنظمة تحميها من خدش حيائها والتحرش بها ومن أن تُستغل في أعمال لا تناسب طبيعتها، أو ربما أعمال تُستخدم فيها أنوثتها كأداة تسويقية لاستمالة الرجال في ابتذال رخيص للمرأة؛ كل هذا يجعل المرأة المسلمة العاملة تحت رحمة رب العمل الذي قد يُسيء لها دون أن تستطيع تحدي سلطاته بقوة نظامية توقفه عند حده، كما يجعلها تحت سطوة الحاجة إلى العمل تعاني الكثير من الإساءة والتسلط دون أن تجد من يحميها بآليات واضحة.

تحدي الفرص المتاحة ومساحة التفاوض: ضيق مساحة الفرص المتاحة للمرأة لتشغلها تجعل المرأة المسلمة في وضع حرج وضعيف في أثناء تفاوضها على عقد العمل .. وفي مطالبتها بحقوق العمل لاحقاً، مما ينعكس بشكل سلبي حتى على قيمة العروض الوظيفية أيضاً ، وقد حدث أن تحدثت مع عدد من رجال الأعمال فقالوا بصراحة أن أجر ساعة عمل المرأة ومميزات عقد عملها أقل من أجر الرجل ومميزاته بما يصل إلى الثلث أحياناً، دون وجود رقابة نظامية تضبط هذا التمييز وتحمي المرأة العاملة من هذا الاستغلال.

تحدي ساعات العمل: أحد أكثر التحديات التي تواجه المرأة المسلمة (والأم تحديداً) عدم تمييز ساعات عمل المرأة عن ساعات عمل الرجل، فالمرأة العاملة حين تكون زوجةً وأماً تواجه تحدياً مُرهقاً ومجهداً يتمثل في التوفيق بين مسؤولياتها داخل المنزل ومسؤولياتها في العمل، وما زال أرباب العمل يتوقعون من المرأة أن تأتي كالرجل في الساعة الثامنة صباحاً وتعود في الساعة الرابعة أو الخامسة عصراً ؛ هذا على افتراض أن عملها لا يكون على أساس “الشفتات”، وكأن المرأة ليست أماً ولا زوجة .. وليس لها أبناءٌ ولا زوج .. ولا بيت تقوم برعايته، ومن لطيف ما حدث لي في أحد نقاشاتي أن ضحك علي الزملاء وأنا أطالب بتقصير ساعات العمل لتتمكن المرأة من إنجاز مهامها براحة  .. حجتهم في ذلك أن العمل يجب أن يؤخذ بجدية أكثر وعلى المرأة التي لا تستطيع الالتزام بالعمل كما هو أن تتركه، وهذا برأيي أحد تسربات الرأسمالية لعقلياتنا والتي تجعل العمل الوظيفي صورة من صور العبودية الحديثة، فليس صحيحاً أن يكون سوق العمل مرهوناً فقط بمصلحة رأس المال وتنميته لصاحبه دون رعاية عمال السوق وتحقيق التوازن التنظيمي بين أصحاب الأعمال وعمالهم وغيرهم من عناصر سوق العمل، وكما تم تحديد ساعات العمل في كثير من أنظمة العمل بـ(8) ساعات فما المانع أن يتم تقليصها للمرأة إلى (5 أو 6) ساعات ويقل مع ذلك الأجر بشكل متناسب مع قصر ساعات العمل.

تحدي الأجندة الأيديولوجية: أختم (وأترك لكم استقصاء البقية) بهذا التحدي الذي يخف ويشتد بحسب حالة الصراع الفكري في المجتمع، إذ تجد المرأة المسلمة نفسها مُبتزة وتحت رحمة صراع بين تيارين فكريين (بغض النظر عن أي الفريقين أحق بالحق)، فحيناً تجد إعلانات تعرض وظائف مخصصة لمن يكشفن الوجه، وحيناً تجد بيئات عمل ترفض قبول المرأة المسلمة التي تكشف وجهها (رغم أنها ملتزمة بقواعد الحجاب عند من يقول بجواز كشف الوجه)، وأحياناً تُتاح وظائف في أماكن قد لا تناسب المرأة فيهرع إليها بعض المسلمات تحت ضغط الحاجة فيتلقون توبيخاً وتحريجاً من بعض الفضلاء دون أن يساهموا بتقديم بديل عملي لهن! والله المستعان.

وختاماً ؛ هذا ما تيسر لي التعرض له والمرور به على عجالة مما مر بخاطري وأراه من التحديات التي تواجه المسلمة العاملة، قد أصيب فيه وأخطئ، وإني لأرجو ممن يقرأ وهو من أهل الاختصاص أن ينبري لهذه التحديات -وغيرها- ويسعى في إيجاد حلول لها أو على الأقل تقليل آثارها الجانبية.

من أنا؟

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. سلمك الله أستاذنا، مقال رزين و ملامس

أضف تعليقاً