عيد .. في ضواحي Guildford

guildford

اسيقظتُ متأخراً – نسبياً – لصلاة العيد ، كان الموعد المُعلن في صلاة الجمعة التي تسبق العيد بأسبوع أن الصلاة ستُقام في تمام الساعة الثامنة صباحاً في جلفورد .. بخلاف ما أعلن عنه في لندن القريبة جداً حيث ستكون الصلاة تمام الساعة العاشرة .. وذلك ليتسنى للمسلمين الموظفين والطلاب في مدينتنا ممن لم يحصلوا على إجازات أن يدركوا الصلاة ثم ينصرفوا لأعمالهم .

كانت الساعة تُشير إلى السابعة وعشر دقائق ، يبدو أن الوقت ليس متأخراً كثيراً عندما تسمعه أول مرة ، ولكنه متأخر حقاً عندما تعلم أني لن أستطيع إدراك الباص المتوجه إلى الجامعة – حيث الصلاة – وذلك حينما يمرّ في السايعة وثلاثين دقيقة من موقف الباصات الذي يبعد عن سكني سبع دقائق مشياً !

كان ذلك محبطاً بعض الشيء ، إذ لن يمر أي باص بعده إلا بعد نصف ساعة تقريباً ، قد تتعجبون من هذا ولكن الوقت مبكر بعض الشيء فالدوامات هنا في الغالب تبدأ حين التاسعة والنصف ولذا لا توجد كثافة مرور للباصات ، لملمت نفسي وأنهيت استعدادتي ؛ وخرجتُ من بيتي نحو موقف الباصات مع زوجتي التي يتأكد استحباب الصلاة لها كما يتأكد لي .

نظرت إلى اللوحة الإلكترونية التي تخبر عن مواعيد الباصات – كانت الساعة 7:45 – ، كان الأمر كما توقعته فلن تمر أي مركبة قبل ربع ساعة من الآن ، وقفتُ أنتظر .. ومالي إلا الانتظار .. وأنا أرقب السيارات تمر واحدة بعد أخرى ، وبعد لحظات يمر شاب باكستاني ملتحٍ وجهه يُشع نوراً يخطب بنا الجمعة عادة .. ومعه ثلاثة من زملائه في سيارة صغيرة .. رآني على جانب الطريق فتوقف جانباً ليُقلني ولم ينتبه لوجود زوجتي معي ، أشرتُ إليها فابتسم لي ومضى في إلى حيث الصلاة .

وأخيراً يأتي الباص متأخراً دقيقتين ، فنركبه وقلوبنا تسابقه إلى حيث ما يتجه إليه ، ونصل إلى الجامعة ونقطعها بسرعة إلى الصالة الكبيرة حيث مكان الصلاة ، دخلتُ بسرعة وهم في آخر الصلاة .. أسأل الله أن أكون أدركتها ، أما النساء فقد كان مكانهن مُزدحماً فلم يسطعن الصلاة .

وقف الخطيب على المسرح ليبدأ خطبته ؛ لكنه انتظر لحظات ريثما يُتم المتأخرون – أمثالي ! – صلاتهم ، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، وشرع في خطبته التي استوحاها من حديث خطبة الوداع ، بدأ بداية مؤثرة .. تأثر هو بها وأبكانا معه وذلك حينما وقف على قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا ! ” ، كان يقولها – جزاها الله خيراً – هادئاً باللغة العربية ولكنه ما إن ترجمها للانجليزية حتى بكى من كان عن يميني ومن هو أمامي ، ثم استرسل وهو يروي الحديث ويترجمه .

بعد الصلاة .. كانت المعايدة رائعة ، الأغلب لا يعرف من يُعايد ، كل ما تعرفه من تسلم عليه أنه أخ لك في الإسلام .. وهذا سبب أكثر من كافٍ لتعانقه وتهنئه بالعيد ، كان الجميع  يتبادل الشكولاته والمعجنات والسمبوسة والأصناف الخفيقة من المأكولات في جوّ ما عشته من قبل ، كنت أبحث عن صاحبنا الباكستاني – ذاك الذي وقف لي – لأسلّم عليه لكنّي ما وجدته .. وقد وددت لو لقيته وسلمتُ عليه وشكرته على موقفه ، عدا أني أحبه في الله ؛ فقد تبوأ في نفسي مكاناً من سمعته ورأيته يخطب متأثراً وهو يشرح أحد الأحاديث في موقف سأتحدث عنه يوماً ما .

وقف بعد ذلك الأصحاب كلٌ مع من يعرف ، وبقيت واقفاً متطرفاً لوحدي أراقب الناس ، رآني رجل هندي أو باكستاني .. لست أدري .. جاءني  لمّا رأني وحيداً ومعه طفل صغير أحسبه في السادسة من العمر ، سلمَ عليّ وعانقني وعرفني على حفيده الصغير ، ثم سألني : هل أنت جديد هنا ؟ فأنا أسكن قريباً من هنا منذ خمسٍ وعشرين سنة ولم يسبق لي أن رأيتك في أحد الأعياد ، ابتسمتُ له وقلت : نعم .. لم يسبق لي أن حضرت عيداً في بريطانيا وهذه أول مرة لي .. أتيت هنا للدراسة في الجامعة ، فابتسم .. وبدأ يسألني عن دراستي وأحوالي وهل أواجه صعوبات هنا أو مضايقات .. ثم سألني إن أنا وجدتُ شيئاً أو احتجتُ شيئاً أن أسأل عن محمد بشير – اسمه هو – وهو سيساعدني إن شاء الله .

خرجتُ من المصلّى .. مُسلّماً على من لقيته في خروجي ، واجتمعتُ بزوجتي التي ما فتئت تحدثني عن ما جرى في رحالهم ، وكيف هو الوضع بين النساء .. تماماً وكأنها تصف ما عندنا نحن الرجال من روح المحبة والأخوة .. متجاهلين الشعوبية والقومية والوطنية .

وفي طريق عودتنا إلى البيت .. وبعد نزولنا من الباص بثواني .. يرن جوال زوجتي مُظهراً رقماً غريباً ، ترد أم صالح فإذا المتحدث ” سِيما ! ” ، ومن هي ” سيما ” ؟ هي امرأة هندية كبيرة في السن .. التقيناها في مدينة ووكنج Woking قبل أسبوع تقريباً .. لم يكن اللقاء لقاء تعارف ولا لقاءاً مرتباً له ولا شيئاً من هذا القبيل .. كل ما في الأمر أنّنا وجدنا ثلاث نساء مُحجاب .. فتوجهت لهنّ زوجتي لتسأل عن مكان أحد المحلات .. فدلّوها عليه بعد أن أخذوا رقم جوّالها ، ثم هاهي اليوم تتصل لتبارك لزوجتي بالعيد رغم أنها لا تعرف عنها أي شيء .. أي شيء .. سوى أنها أخت لها مُسلمة !

إلى هنا ينتهي عيدنا .. ونعود لبيتنا .. ويعود كل شيء إلى ما كان عليه ، ساعة من نهارٍ قضيناها بين إخواننا ، صحيح أن لها طعماً ألذ من كبدة الصباح .. وحميس الظهيرة ، إلا أن لقاء الإخوان الأقربين .. أباً وأماً وإخوة وأعماماً .. ألذ من ذلك كله ، فهم يجمعون أخوّة الإسلام وأخوّة الرحم ، والحمد لله أولاً وآخراً على نعمه .. وكل عام وأنتم بخير ^_^

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

10 thoughts on “عيد .. في ضواحي Guildford”

  1. كل عام و أنت بخير و صحة
    حقا أحسست روح المحبة و الإخاء الحقيقي هناك في عيدكم..
    رزقنا الله و اياكم دوام الطاعة
    و جعلنا و اياكم من أنصار دينه

  2. كل عام وأنت بخير أخي الغالي
    جميل هو الإحساس بروح الأخوه حتى وإن خالطه غصه وألم الغربة والبعد ..
    أعانك الله ياغالي ووفقك لكل خير
    تقبل تحيات محبك

  3. عيدكم،وكل عام وأنتم بخير ..

    ولكن :
    ما طنتي ألذ من …. الصباح ، و ….. الظهيرة ..هههههههههههههههههه

    ( تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال)

  4. كل عام و أنت الخير و العيد و السعادة لنفسك و لمن حولك ،
    و فقك ربي .. و أعانك و سددك .

    جميل العيش بين أناس لا يجمعك معهم رابط أقوى من أن رابط “الإسلام” ! .. الله أكبر يا أخي الله أكبر ، مدمع -في لحظات الفرح- ما نقرأ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *