من أجمل ما قرأت 1

يقول سيد – رحمه الله – في الظلال ( 2 / 136 ) :

فنزلت الآيتان في المائدة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)“، وانتهى المسلمون كافة، وأريقت زقاق الخمر وكسرت دنانها في كل مكان؛ بمجرد سماع الأمر، ومج الذين كان في أفواههم جرعات من الخمر؛ ما في أفواههم حين سمعوا ولم يبلعوها وهي في أفواههم؛ وهم شاربون.

لقد انتصر القرآن .. وأفلح المنهج .. وفرض سلطانه دون أن يستخدم السلطان!

ولكن كيف كان هذا؟ كيف تمت هذه المعجزة التي لا نظير لها في تاريخ البشر؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية؛ في أي مكان ولا في أي زمان؟ لقد تمت المعجزة .. لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله -سبحانه- فيها حضوراً لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان، أخذها جملة لا تفاريق، وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة!

لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغاً تملؤه بنشوة الخمر وخيالات السكر؛ وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء .. في الهواء ، ملأ فراغها باهتمامات .. منها: نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها من تيه الجاهلية الأجرد وهجيرها المتلظي وظلامها الدامس وعبوديتها المذلة وضيقها الخانق ؛ إلى رياض الإسلام البديعة وظلاله الندية ونوره الوضيء وحريته الكريمة وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة.

وملأ فراغها – وهذا هو الأهم – بالإيمان؛ بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج، فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير؛ وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء، وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها وترفض خمارها وصداعها، وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية.

إنه استنقذ الفطرة من ركام الجاهلية وفتحها بمفتاحها الذي لا تفتح بغيره، وتمشى في حناياها وأوصالها وفي سالكها ودروبها؛ ينشر النور والحياة والنظافة والطهر واليقظة والهمة، والاندفاع للخير الكبير والعمل الكبير والخلافة في الأرض؛ على أصولها التي قررها العليم الخبير وعلى عهد الله وشرطه وعلى هدى ونور.

أ.هـ

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

3 thoughts on “من أجمل ما قرأت 1”

  1. وفى هذا الزمن المادى ها هو القرآن بالبحوث العلمية التى يقوم بها غير المسلمين .تثبت ان القآ، جاء وصالح للناس كافة ………..اللهم اعنا على ذكرك وشكرك والتحدث بنعمتك

  2. لله درك يا سيدي ..”سيد قطب” ما أعذب منطقك ..!!
    وبوركت الأنامل اللي نقلت هذه المفردات الرصينة هنا ..
    جزيت خيرا جما أخي ..

  3. بارك الله فيك اخي العزيز على هذى الكلام الكثر النغع ونسئل الله العضيم رب العرش العضيم ان ينفعنا وبك في خدمة الاسلام والمسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *