التيار الإسلامي .. ورد الفعل !

في نقاش جرى قبل ثلاث أو أربع سنوات بيني وبين أحد الأحبة ؛ كان حديثنا حول ما يمكن أن نقوم به من نشاط في أروقة المستشفى الجامعي بالخبر ، كانت الفكرة من ذلك ابتداءاً أننا لا نريد أن نكون ناقدين/ناقمين على المجتمع الطبي الذي كنت جزءاً منه حينها ، لم نكن نريد أن يشعر الزملاء واساتذتنا الأطباء أننا بمعزلٍ عنهم .. وكل ما نقوم به هو وضعهم تحت المجهر ونقد الاختلاط والممارسات الخاطئة في المستشفى ، بل كان الهدف أن نضيف شيئاً نوعياً نبتعد فيه عن ثقافة [ هذا خطأ .. أنت أخطأت ] ؛ أردنا أن نوصل الرسالة بأسلوب [ هذا هو الصواب ] بعيداً عن الشحن .. وبصورة أقرب إلى الأريحية في الطرح المنتهية بالإقناع .. أو التفهّم على الأقل ، وفعلاً .. أقمنا المشروع الذي رغم أنه لم يتكرر إلا أنه نجح .. والتفاعل كان دليلاً !

ورغم خوضي لغمار التجربة أعلاه .. إلا أنني لم أكن أستحضرها في التعامل مع المجتمع ، بل كنت مُعظم عمري أنتهج نهج بقية الأقران .. والتيار الإسلامي عموماً .. في الانشغال بـ[ رد الفعل ] ، حتى أننا كنّا أحياناً كثيرة من فرط حماسنا نكسر قانون نيوتن .. وتكون ردة الفعل أكبر بأضعاف من الفعل نفسه .

المتأمل لوضعنا في بلدنا اليوم سيجد ويلاحظ أن التيار الإسلامي وُضع في الزاوية وبدأت توجه إليه اللكمات .. بغض النظر أكانت مؤلمة أو حتى غير مؤثرة .. لكنه في النهاية محشور في زاوية ومشغول – غالباً ! – برد اللكمات ، تفكيره مشوشٌ عن النخطيط .. يداه مشغولتان عن البناء ؛ كل ما عليه – كما أراد من وضعه في تلك الزاوية – أن يكون منهمكاً أثناء النزاع .. منهكاً بعد نهايته ، لا أن يفكر بما وراء النقطة التي يقف عليها .

الأمرّ من ذلك .. أن التيار الإسلامي بدأ فعلاً يُصوّر من خلال ردود أفعاله على أنه هو عائق التقدم .. أنه هو من يمانع الرقي بالمجتمع .. أنه هو من يقف بوجه الحريّة .. أنه من يعارض حقوق المرأة ؛ وذلك من خلال موقف الدفاع الذي يتبني فيه الإسلاميون كلمة [ لا ] لكل المشاريع المطروحة .. والتي أتفهم كلمة ” لا ” فيها ونوافق جميعاً عليها ، لكن كثرة اللاءات مع قلة البدائل تسبب إشكالاً  لدى المراقب والمتابع ، ورغم ثقة المجتمع الكبيرة برموز التيار فإنه ولا بد أن تتزعزع الثقة فيه ، وسيتنامى ذلك تدريجياً ، بل وأبعد من هذا .. حتى لو كان التيار الإسلامي قوياً بفكره وبأتباعه ؛ فلا بد وأنا يأتي يومٌ ويضعف أمام مهاجميه ، وسيخسر بعض المواقف سواءاُ أكانت جوهريّة أو هامشيّة ، وسيراه – كما أشرتُ – المجتمع على أنه العقبة !

أزعم أننا جميعاً .. نحتاج في هذه الأيام إلى روح المبادرة بدل الإغراق في روح الدفاع ، وعندما أختار كلمة [ الإغراق ] فأنا أعنيها تحديداً ؛ أي أننا نحتاج حقاً إلى الدفاع والمدافعة .. لكن بدون إغراق فيهما ، نحتاج إلى البحث عمّا يحتاجه المجتمع وأن نطرح أفكارنا ورؤانا على المجتمع بما يجعله يعرف حقيقة المشروع والفكر الإسلامي ، لأن هذه المشاريع – بحد ذاتها – كفيلة بأن تكون رداً على من يتهم التيار الإسلامي بالجمود والتخلف والغوغائية ، وستخرج أيضاً بالشباب فيه – وأنا منهم – إلى ميدان العمل المدني الذي يبني الدولة  تحت المظلة الإسلامية  البديعة بعيداً عن المشروعات المشبوهة .

وقديماً قالوا :
خير وسيلة للدفاع .. المبادرة !

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

7 thoughts on “التيار الإسلامي .. ورد الفعل !”

  1. خيو كلام جميل جداً ..

    قد شبه البعض الخلاف الشرعي – اليبرالي بالنصر و الهلال . .!

    خلاف لا يمكن أن ينتهي أبداً و يشغل الجمهور عن مصالحه ..

    والتيار الإسلامي ليس كله منشغول بردود الأفعال .. فئة محدودة .. لكن كما قيل الكلمة العوجى تنقل

  2. أتفق تماماً معك أخي يحيى..
    وهذا ليس فقط على صعيد التيار الإسلامي المحلي بل هو داء موجود تقريباً في التيار الإسلامي بشكل عام..
    إن كنا لا نزال نذكر حادثة الرسوم الدينماركية وكيف توالت بعدها مشاريع التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم..تلك المشاريع لم تكن بحاجة إلىتلك الرسوم لتظهر ولكننا اعتدنا أن نرد الفعل ولا نفعل..

  3. لا فض فوك يا رجل
    ابداع حتى الإشباع ، اكاد لا اختلف معك في شيء قلته ، بالفعل التيار الإسلامي يحتاج جداً لهكذا عقول وإلا فلا.

    لا عدمناك…

    اخوك منصور القحطاني

  4. أصبت الرأي أخي العزيز ،،
    بالفعل لو تحول الإسلاميون لبناء المجتمع ونفعه لتغيرت كثيراً النظرة السوداوية الحالية ،،
    أنا لا أنكر وجود مساهمات واضحة من البعض ولكن النسبة بشكل عام منخفظة ،،
    بوركت أخي ،،

  5. في الحقيقة ، كلامك هو عين الصواب و قمة الواقعية ، و أتفق معك في كل ما قلت ، فلا ينبغي في كل حادثة أن ينبري التيار الإسلامي بكامله للدفاع ، بل يدافع مجموعة ، و الأخرى تستمر في عملها و بناءها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *