[ هكذا علمتني أمي ! ]

موسم الكريسمس في الدول الغربية عموماً هو موعد تبادل الهدايا بين أفراد المجتمع عموماً ، ولأنه أيضاً يحلّ آخر السنة الميلادية ؛ فموجة التخفيضات المجنونة تكون طامّة جميع المحلات من جميع الماركات ، وكمقيم مؤقت في بريطانيا .. أستغل هذه الفرصة لشراء الهدايا المميزة للأحبة كمقتنص للفرصة لا محتفل بالكريسمس بالتأكيد !

طفت وزرت الكثير من المحلات .. ملابس واكسسوارات وأجهزة .. حتى المكياج كان له نصيب أيضاً ، ورغم كل هذا فلم أخرج من ذاك الموسم بأي شيء .. أي شيء لي ، كنت كلما دخلتُ محلاً .. أفكّر بما يناسب أخي فلان وأختي فلانة .. ما يحتاجه أخي فلان .. ما تحدثت عنه مرة بإعجاب أختي فلانة ، ضاع كل وقتي في هذا .. حتى أنني لم أصرف باونداً واحداً على شيء شخصي لي ، وعندما أعبّر عن تصرّم الوقت بـ [ الضياع ] فأنا أستخدمها مجازاً .. وإلا فإن فيما كنت أفعله لذة لا يُمكن أن تُنسى .. لم يكن الوقت حينها ضائعاً في نظري بل مستغلاً ، كنتُ أتأمل وجوههم وهي سعيدة يوماً بشيء حققته أو أحضرته لهم ، هذا التخيّل يدفعني لأن لا أستغلي أي شيء في سبيله .

أذكر أن زوجتي سألتني بعدما رأت إعراضي عن بعض ما كنت أريده في سبيل ما أختاره لإخوتي ؛ فأجبتها [ هكذا علمتني أمي ! ] ، وهذه حقيقة .. نعم .. لقّنتني أمي هذا من طفولتي .. لا يمكن أن أفكر بشيء لي قبل أن أفكّر بشيء لإخوتي – وأهلي عموماً – ، وما كان حديثها سطحياً تافهاً في نظري كطفل .. بل كنت أراها كيف تعامل إخوانها .. كيف تنظر إليهم وتفكر فيهم .. كيف تحاول تُبرر لهم مواقفهم عندما تتحدث جدتي – رحمها الله – معها متضايقة من أمرٍ ما ، كانت أمي تعلمني تقول : [ الأخ أهم شيء في الحياة .. هو عضدك بعد الله .. حتىّ إنه درج لدينا إذا تألمت من أمرٍ ما قلتَ متوجعاً ” آخ ! ” وكأنك تطلب عون أخيك ] وبغض النظر عن صحة العلاقة بين المصطلح والسبب .. فإن هذا ما كان يُغرس فينا ، كانت أمي – أسأل الله أن يحفظها – دائماً ما تردد علينا حينما نختصم أنا وإخوتي [ عيب عليكم أن تتخاصموا فيما بينكم .. أين أنتم عن موسى حينما قال ” ربِ إني لا أملك إلا نفسي وأخي “ ] .

كبرتُ .. وكبرنا جميعاً ، وكقطرات الماء المتصادمة في النبع الصافي .. لا بد أن نتصادم/نختلف فيما بيننا ما دمنا في بيئة واحدة لكن القلوب صافية في النهاية ، ورغم كل ما نظنه مفسداً للعلاقة بيننا .. إلا أننا في النهاية أشفق على بعضنا مما كنّا نتصوّر ، ولا عجب .. فـ[ هكذا علمتنا أمي ! ] ، سافرتُ وابتعدتُ عنهم .. وما زادني ابتعادي إلا قرباً منهم .. ومن قلوبهم ، أشعر بقلوبهم في حناجرهم عندما أحدثهم ، أطلّ عليها من أفواههم التي أحسّ بها وهي تعجز عن أن تعبّر عمّا يريدون أن يشعروني به من مشاعر ، رغم أني أقتبسها من توهّج أعينهم .. أعين الإخوة !

ويشاء الله – تعالى – أن يصاب أخي عبد الله بمرضٍ يلزمه مراجعات المستشفيات .. ويلزمه الفراش في المستشفى عدة أيام ، فأصاب بألمٍ أجزم أنه لا يقل – إن لم يزد ! – عن ألمه .. من بعدي عنه وعن مواساته ، لست أتألّم له .. فهو لا يحتاجني .. هو رجل أزعم أنه أشد على الشدائد مني .. بجانبه أبٌ يساوي في بذله وحبه كل ما في الدنيا من حب الأبوة .. وقبل ذلك كله له ربٌّ رحيم كريم عطاء ، إنما أنا من يحتاجه .. أنا من يحتاج أن يعيش لحظات مشاركة أخيه .. أنا من يحتاج أن يمسك بيد أخيه ويقبض عليها بقوة وأنا أراقبه مضطجعاً على السرير الأبيض .. أريد أن أتقاسم معه الحب .. حبّ الأخوة ، فهذا أيضاً مما علمتنيه أمي .

أزعم أن قدر الأخوّة عظيم وكبير ويجب أن يُنمّى في الإنسان ، ليس الأمر متعلقاً بصلة الرحم فحسب ؛ بل وبالروح والدم .. بالذكريات التي تقاسمناها أيام الطفولة .. باللُّعَب التي تشاركناها .. بالضحكات التي سعدنا بها .. بالدمعات التي انسكبت من أعيننا .. بالمصير الذي يجب أن نشترك فيه .

أخي بعيدٌ عني .. هو منوّم في مستشفى الملك فهد الجامعي بمدينة الخبر .. الدور الثالث الغرفة 302 .. إلى يوم الأربعاء .. باب الزيارة يُفتح من الثانية إلى الرابعة ظهراً ، أتساءل : هل سيضع أصحابي أيديهم في يده بدلاً مني !!؟

أجزم بذلك ..

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

6 thoughts on “[ هكذا علمتني أمي ! ]”

  1. :” دمعت عيني لا شعورياً … يمكن لإن هالموضوع يلامسني ! وحب الأخوة يعنييني كثيراً أشعر أن حب الأخوة والأهل، حب إن وجد بإلامكان الاستغناء عن جميع أنواع الحب :” .. حفظ الله والدتك وجزاها الله كل الخير بما غرسته فيكم .

    شافى الله اخاك وألبسه لباس العافية … وجمع شملكم دائماً 🙂

  2. اللهم ولا مريضاً إلا شفيته .. الله رب الباس أنزل الباس انت الشافي شفاءاً لا يغادر سقماً..

    أتمنى من اله العلي القدير أن يعاجله بالصحة والعافية وان لا نسمع إلا خيراً..

    ما أعجبني في هذه الخاطرة سعولة أسلوبها وعذوبته وعاطفته في نس الوقت بعيداً عن التكلف في القول ولعل ماشدني فيها :
    -كانت أمي – أسأل الله أن يحفظها – دائماً ما تردد علينا حينما نختصم أنا وإخوتي [ عيب عليكم أن تتخاصموا فيما بينكم .. أين أنتم عن موسى حينما قال ” ربِ إني لا أملك إلا نفسي وأخي ” ] .
    -كبرتُ .. وكبرنا جميعاً ، وكقطرات الماء المتصادمة في النبع الصافي .. لا بد أن نتصادم/نختلف فيما بيننا ما دمنا في بيئة واحدة لكن القلوب صافية في النهاية.

    وفقك الله سفرا وحضرا .. وكم والله أتطلع لمقالاتك الرائعة..وأتمنى لو ٌقُدّر فالتقينا!

  3. أسأل الله الشفاء العاجل لأخيك ..

    أعجبني قلمك السيال هنا .. عاطفتك هنا كتبت بدلاً عنك .. أرى في كلماتك الحنين إلى العودة وسط العائلة والإخوة .. حفظ الله لك والدتك وإخوتك وأهلك ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *