[ “تزبب” قبل أن “يتحصرم” ! ]

تقول العرب [ “تزبب” قبل أن “يتحصرم” ] وتعني صار زبيباً قبل أن يصير حصرماً ، وذلك أن العنب قبل أن يطيب يكون حصرماً أي حامضاً غير ناضح ، ثم تنقلب حموضته بعد مدةٍ .. ومع مرور الأيام .. حلاوةً ويصير عنباً طيباً ناضجاً ، ثم يكون زبيباً بعد أن يجف وتذهب رطوبته ، ويُضرب المثل فيمن ادّعى مالم يبلغه وما لم ينله ؛ أو إذا ادعى حالة أو صفة قبل أن يتهيأ لها – كما في القاموس المحيط – .

إنني عندما أشاهد حركة عقول الشباب – من يكبرني .. أقراني .. ومن يصغرني – في الميادين الجديدة لحراك الأفكار والتي أتاحتها لهم التقنية الحديثة بحرية أكبر من السابق ؛ في المنتديات والمدونـات والصحف الإلكترونية .. ومؤخـراً تويتر والفيس بوك ، أجدني أصفق وبحرارة لإعمالٍ كهذا للعقل البشري ، تبادل الأفكار الصغيرة .. تحليل الأحداث .. النقاشات حول المواقف التي يتبنّاها كل فرد أو عقله ، حتى دائرة الحريّة في الكتابة في المنتديات – التي هرب منها البعض للمدونات – أصبحث تتسع أكثر فأكثر ؛ وهذا – برأيي – مؤشرٍ جيد جداً على بداية تحول الأمة من وضعية [ الانبطاح ] إلى وضعية أفضل منها .. لن أكون مبالغاً جداً وأقول : للوقوف .. بل يكفي أن يتململ المارد الإسلامي من انبطاحه الأشبه بالموت .

ولأني طموح – جداً ! – وأريد لهذا التململ أن يكون خطوة أولى تتبعها خطوات .. وأريد أن يكون هذا الحراك مُثمراً ؛ عشتُ منذ مدة طويلة  تأملاً لما يجري .. متأملاً نفسي ومن حولي ومن أقرأ لهم من قريب أو بعيد ؛ فوجدت هذه الحركة في الفكر .. هذه الحرية النسبية في التعبير عنه .. يمكن أن تكون درجة .. ويمكن أن تكون دركة !

الواقع أن بعضاً وبعضاً وبعضاً – كررت التبعيض لألّا أقول ” كثيراً ” ! – وإن تقنعوا بقناع الثقافة وتشدقوا بالعربية الفصحى وغاصوا في أعماق بعض القضايا الاجتماعية أو الدينية أو السياسية ؛ إلا أنهم حصرمٌ في عباءة زبيب .

الفكر ينمو بالقراءة والاطلاع .. وسنوات العمر تُكسب الأفكار نُضجاً أكثر .. لتخرج الفكرة طيبة لذيذة ، المشكلة أن كثيراً منّا نحن الشباب لا يقرأ .. مخزونه المعرفي مجموعة روايات من هنا وهناك .. محصلته الثقافية التي يُمكن أن تُبنى عليه فكرةٌ ما ضئيلة جداً ، مُعظم معلوماته مجهولة المصدر لأنها مستقاة من كتابات في الانترنت لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، فكيف لهذا أن يُكوّن فكرة صحيحة .. أو على الأقل .. يكون لديه تصوّر صحيح عن الأفكار الأخرى !!؟

في ثورة الكتابة التي نعيشها ؛ كثيرون لا يفرقون بين الثوابت وبين ما يمكن النقاش فيه .. كثيرون أيضاً لا يدرون إلى أي حدٍ يجب أن يقفوا عند الخوض في المسائل الشرعية .. كتّاب كُثر لا يُميزون بين دلالات بعض المصطلحات التي يُطلقونها عبثاً كالليبرالية والعلمانية والتشدد والتمييع والتطرف والوسطية والخلاف وإلخ من الكلمات ذات الدلالة التي يُمكن أن تكون خطيرة .. ولا أنسى  ما يقوم به البعض من استخدام النصوص الشرعية كأدلة يُستدل بها ومناقشتها دون علمٍ راسخٍ ؛ رأسُ مال الكاتب فتوى قرأها وهي الصحيحة فقط وسواها خطأ .

شخصياً .. أعتقد أن الكتابة وخوض غمارها ظاهرة صحيّة حتى لأصحاب الثقافة المحدودة .. فهي تُكسب الكاتب سعة تصوّر وإعمالاً للعقل خصوصاً حينما يحاول أن يوصل فكرته ، ولكن في المقابل .. ستكون الأفكار التي يحاول إيصالها – أحياناً تكون رائعة ! – ضعيفة البناء هزيلة القوام .. وأيضاً سيحارب بعنفٍ دون أن يستوعب الأفكار الأخرى لأنه يخاف على فكرته ؛ وستلاحظ أن أكثر الناس جهلاً هم أكثرهم عناداً وضجّة .. لعدم ثقتهم الكافية بقوة ما يعتقدون .. فيعوضون ذلك بالضجيج !

أشجع الشباب – وأنا منهم – على الكتابة ونشر الأفكار .. مع معرفة الحدود التي يجب الوقوف عندها – ليس تحجيراً للعقل وإنما احتراماً له لحجبه عمّا يجهل – ، كما أشجعهم على القراءة لتنضيج عقولهم وإمدادها بالمعرفة النقيّة ؛ لينتج عن ذلك أفكار صحيحة مسقية بعلمٍ وإطلاع شامل ، وثمة كتاب للدكتور عبد الكريم بكّار [ تكوين المفكّر ] أنصح الجميع بقراءته وتطبيق ما فيه .. أقول هذا رغم عدم قراءتي له لبعدي عن الدور العربية ولكني أثق كثيراً بعقلٍ قاريءٍ مثقفٍ رزينٍ كعقل الدكتور بكّار .

نُشرت بواسطة

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

9 thoughts on “[ “تزبب” قبل أن “يتحصرم” ! ]”

  1. غفر الله لكــ .. تدوينة أكثر من رائع وكنا نتاقش قيها أنا وبعض الشباب قبل قليل .. لخصت النقطاط في أسلوب أكثر سهل ممتنع..بالتوفيق

  2. “مخزونه المعرفي مجموعة روايات من هنا وهناك .. محصلته الثقافية التي يُمكن أن تُبنى عليه فكرةٌ ما ضئيلة جداً ، مُعظم معلوماته مجهولة المصدر”

    جميل جداً ، هذا ما لاحظته أيضاً.

    شكراً لك.

  3. مقال جميل.. بل رائع.
    يعاب عليه توصيتك بقراءة كتاب لم تقرأه أنت ولم تعرف محتواه (حتى ولو كنت على ثقة من مؤلفه) . أرى أنه كان يكفيك الإشارة للكتاب على الأقل ، فالفكرة واضحة وجميلة من دونه. خصوصاوأن محتوى المقال لا يتناسب مع هذه السقـ..هفوة .

    دمت لناقديك !

  4. لقد أصبت الحقيقة وأشرت إلى مصادر المخزون الثقافي لبعض المثقفين الشباب ولكنك أقفلت عن بيئـــــــة الكاتب والقارئ والناقد مثلك ……تشكــــــر على المثل المضروب في إفتتاح ماسقته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *