“عبط” الحرية !

كنت الليلة قبل البارحة حتى وقت متأخر من الليل مُعسكراً أمام كمبيوتري أتابع بـ “قرف” يوم رسم محمد – صلى الله وسلم على نبينا محمد ورفع قدره وأعلى ذكره – ، لا داعي لأن أتحدث عن مقدار ما شعرت به وأشعر به من استياء وتذمّر ؛ فأي مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله سيشعر بالغضب المستعر إزاء ما جرى !

تناول الحدث هذا بنظرة أعتبرها موضوعية الإخوة جاسم الهارون في مدونته و مدى العقل في مدونتها ، في صدري كلام كثير تعليقاً على كلا الموضوعين ؛ لكني لست بمزاج جيّد للكتابة والمناقشة في هذا الموضوع بالتحديد الذي يصيبني بنرفزة ، لكني أجدني مندفعاً للحديث عن موضوع الحرية .. حرية الكلام .. حرية التعبير .. وكيفية تحويلها لنوع من القذارة .

لا يوجد عاقل – ولو كان مستواه الديني أو الأخلاقي فوق الصفر بقليل – يؤمن بالحرية المطلقة ، فهي وإن كانت تعني بلغة الشارع  ما يُسمى [ حياة الغابة ] ؛ فهي تعني أيضاً تضارب الحريّات ، لا يمكن لمجتمع مهما كان مستوى التداخل فيه أن لا يصل إلى مستوى الصدام بين أطياف مجتمعه إن لم تكن الحريّة مضبوطة .. وكل مجتمع له سقفه من الحرية ، فالدين والخلق والسلوك الاجتماعي والقانون كلها عوامل تحجيم وضبط للحرية المطلقة .. في الكلام والسلوك وسواهما .

ولذا لا يوجد نظام/سلطة/تشريع في العالم كله يؤمن بالحريّة المنفلتة ، مهما كان المجتمع في غاية الانفتاح فإنه لا بد أن يُؤطّر الحرية بإطار سواء أكان مُنتظماً واسعاً أم ضيقاً محدوداً .. أو حتى غير متوازي ، مهما يكن المجتمع مدعياً للمثالية فإنه لا بد وأن يحارب  نوعاً من الحريّة ، لست أتحدث عن الحرية في الدعوة إلى العنف التي تعد حمىً لا يُقرب ، ولكني أتحدث حريّة التعبير والممارسة التي هي حق للإنسان كما تنص عليه دساتير بلاد الحريّة .

تاتي فتاة لتُنشيء صفحة في الفيس بوك بحجة أنها تريد أن تستخدم حقها في حرية التعبير ، ثم تتحول الصفحة من صفحة رسم إلى صفحة كراهية للإسلام ورسوله يراها حتى أعمى البصيرة ؛ لا تُحرك إدارة الموقع .. ولا أحد .. ولا يتم أي تحرك ولو على استحياء للتنديد بهذا الخرق الأخرق لحرية التعبير .. بحجة أن ذلك من الحرية ، أي عبط هذا ؟ عندما يُتحدث عن السود يُقال عنصرية .. وعن اليهود يقال معاداة للسامية .. وعن المرأة يقال تمييز جنسي .. أما عن الإسلام فهي حرية التعبير !

ومن قال أن حرية التعبير لا تُؤطر في قوانينهم هم ؟ في عام 1919 يقوم قاضي المحكمة العليا الأميريكية أوليفر هولمز بنقض الحق الأول من حقوق المواطن الأمريكي الموجودة في الدستور ” حرية التعبير ” ويقضي بسجن المتهم سنة كاملة ، وعندما أثار المحامي قضية حق التعبير علّق القاضي بعبارة أصبحت مضرب المثل في تأطير حرية التعبير .. حيث قال :

“The most stringent protection of free speech would not protect a man in falsely shouting fire in a theatre and causing a panic !”

“إن أقوى حماية ممكنة لحرية التعبير لن تستطيع أن تحمي رجلاً صرخَ كاذباً مُدعياً وجود حريق في قاعة المسرح مما سبب الذعر !”.

وأي فوضى يُمكن أن تتسبب من التهجم بكراهية على رموز الأديان .. على رمز ديني يعشقه أكثر من مليار وسبعمئة إنسان ويفدونه بأنفسهم وأبنائهم ومن يحبون !!؟

إن أكذوبة الحرية لا يُمكن أن تنطلي علينا ، فمثلاً في بلد الحريّة المطلقة ” فرنسا ” يُسن الأسبوع الماضي قانون حظر النقاب .. وتسبقها في ذلك بلجيكا حاضنة الاتحاد الأوربي ، كل ذلك يأتي تحت المظلة الديموقراطية في بلاد الحرية المزعومة ، وهنا أتساءل .. هل الحُريات تُسلب من أصحابها بناءاً على رأي الأغلبية !!؟ أي حريّة تلك التي تكون خاطعة لمزاج الحزب الحاكم وأتباعه !!؟

المؤلم .. ومن خلال متابعة .. أن كثيراً من المشاركين لا يعلمون حقيقة من هو محمد – صلى الله عليه وسلم – ولا يعرفون حقيقة الإسلام ولكنهم شاركوا لأنهم سمعوا (!) قرأوا في الانترنت عمّن يُسمى المسلمين (!) ، وهؤلاء المضللون .. وأيضاً من خلال متابعة .. هم الأغلبية الساحقة .

المفرح .. أنه حتى كتابة هذه المدونة بلغ عدد المشاركين في جروب رسم محمد 17,000 ويزيدون قليلاً ، في مقابل 153,873 في الجروب المضاد لجروب رسم محمد ، وهذا مؤشر جيد وفرحة تُسلي القلب المحزون .

أما العجيب المثير للسخرية .. فهو أن بتوع ” حرية التعبير ” من فسطاط الرسامين يكتبون ويتندرون على رد فعل الشعب الباكستاني – وهذه بالمناسبة تحيّة أبعثها لذلك الشعب المسلم – وخروجه في مظاهرات حاشدة للتنديد مُعبرين عن آرائهم ورفضهم لهذا العمل المشين ، يا سلام سلّم .. يعني حلال عليكم التعبير .. حرام عليهم !!؟ هه .. ألم أقل أنها حرية العبط !!؟

من أنا؟

يحيى السليم

مسلم .. متخصص في القانون الانجليزي والدراسات الدولية (العلوم السياسية) ، باحث ومهتم بمباحث فلسفة القانون والنظريات السياسية والقانون الدستوري الإسلامي والانجليزي .

3 تعليقات

أضف تعليقا ←

  1. جميل جميل كل ما خطته يداك هنا يايحيى
    اهنيك على هذا لطرح الموفق
    الفرق عندنا وعندهم أن عندنا دين شامل وكامل ووافي لكل كوامن ودقائق الحياة ، لكن هم لا دين سليم من التحريف ولا من التخريف ولا من التبديع والتغيير .
    نحن ديننا جعل لنا حرية متزنه ومأطره بقوانين شرعية لا يمكن ان نتجاوزها حتى لا نستطيع الرد عليهم بالمثل لأن حريتنا تحرم علينا ان نسبهم او نسب دينهم ..
    اوافقك بكل ما طرحت ..
    دمت موفقاً

  2. الألم الشرقي قال:

    كم هو محزن أن يسمح بمثل هذه الإعتداءات على خير البرية نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد _صلى الله عليه وسلم _بدعوى ((حرية التعبير)) وهذه من أعظم الفتن التي تواجه هذه الأمه وهي فتنة ((أختلاط المفاهيييييم)),نرجوا من الله العلي القدير أن ينصر الإسلام وأهله ويجعل كلمتهم هي العليا.

  3. Great information. Lucky me I came across your site by accident (stumbleupon).
    I have saved as a favorite for later!

أضف تعليقاً